القاضي عبد الجبار الهمذاني

307

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قالوا : إن الإمام لما جاز أن يجعل إلى الأمير القيام بهذه الأحكام كان له أن يقوم بها ، وكذلك الرسول إذا نصب الإمام للقيام بأمر ، فله ذلك ، فيجب مثل ذلك في اختيار الجماعة للإمام . قيل له « 1 » : ولم قلت : إن الغاية في جواز أن يقيم الإمام أميرا ينفذ الأحكام جواز توليه ذلك بنفسه لما « 2 » جاز أن يقيم أميرا . قيل له : ومن أين لك ذلك ، بل كان لا يمتنع ورود السمع بذلك . فإن قال : دليلي على ذلك أن ما لا يجوز أن يقوم به ، ليس له أن يكله إلى غيره ، وما له أن يقوم به له أن يكله إلى غيره ، إقامة « 3 » أمير على بلد واختاره لذلك ولا يجعل إليه سواه ، فلا بد من نعم . فيقال له : قد صح منه أن يختار من يقيم الحدود بأمر الإمام ، وإن لم يجز له بنفسه أن يقيمها ، وذلك يبطل ما ذكرته وصورة من يختار عندنا ذلك ؛ لأنه عليه السلام جعل إليهم أن يختاروا الإمام ولم يجعل إليهم سواه ، وجعل إلى الإمام القيام بالحدود والأحكام . وقد ثبت في الشريعة أن الولي لعقدة النكاح يملّك الزوج ما لا يملكه منها ، بل ما لا يجوز أن يملكه منها ، ويبيح له ذلك ما لا يستبيحه . / وصح أن المالك لأخته من الرضاعة إذا باعها من أجنبي منها يبيح بعقده منها ما لا يجوز أن يستبيحه . فما الّذي يمنع من مثله في اختيار الأمة الإمام ؟ وما الّذي يمنع من أن تكون العلة في ذلك أنها جماعة ، فلا يجوز أن تتولى ذلك لأنه موقوف على اجتهاد الواحد ، وليس كذلك الإمام لأنه واحد ؛ فيصح أن يقف ما يأتيه على اجتهاده . وإذا جاز في الإمام أن يكل إلى غيره ما لا يمكنه القيام به نحو تقويم المتلفات وغيره ، فما الّذي يمنع مما ذكرناه ؟

--> ( 1 ) كذا في الأصل ، والأولى ( لهم ) ( 2 ) في العبارة ركة لا تخفى ( 3 ) كذا في الأصل